الحلبي

533

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

نهار فأصدقه ، فهذا أي مجيء الخبر له من السماء بواسطة الملك أبعد مما تعجبون منه أي وحينئذ يجوز أن يكون قول أبي بكر للمطعم ما تقدم كان بعد هذا القول : أي قاله بعد أن اجتمع به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد بلغته مقالته ، فلا مخالفة بين الروايتين ، وإلى إسرائه صلى اللّه عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وتحديثه قريشا بذلك أشار صاحب الهمزية بقوله : حظي المسجد الحرام بممشا * ه ولم ينس حظه إيلياء ثم وافى يحدث الناس شكرا * إذ أتته من ربه النعماء أي جميع المسجد الحرام حصل له الحظ الأوفر بممشاه صلى اللّه عليه وسلم فيه ففضل سائر البقاع ، ولم ينس حظه من ممشاه صلى اللّه عليه وسلم بيت المقدس ، بل شرفه اللّه تعالى بمشيه فيه أيضا ، ففضل على ما عدا المسجدين : أي مسجد مكة ومسجد المدينة ؛ ثم وافى صلى اللّه عليه وسلم مكة يحدث الناس لأجل قيامه بالشكر للّه تعالى أو حال كونه شاكرا له تعالى وقت أو لأجل أن أتته من ربه النعماء في تلك الليلة . ثم قال المطعم : يا محمد صف لنا بيت المقدس أراد بذلك اظهار كذبه . وقيل القائل له ذلك أبو بكر ، قال له : صفه لي فإني قد جئته أراد بذلك إظهار صدقه صلى اللّه عليه وسلم لقوله « فقال : دخلته ليلا وخرجت منه ليلا ، فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فصوّره في جناحه » أي جاء بصورته ومثاله في جناحه فجعل صلى اللّه عليه وسلم يقول باب منه كذا في موضع كذا ، وباب منه كذا في موضع كذا وأبو بكر رضي اللّه تعالى عنه يقول صدقت ، أشهد أنك رسول اللّه حتى أتى على أوصافه » أي ومعلوم أن من ذهب بيت المقدس من قريش يصدق على ذلك أيضا . وفي رواية « لما كذبتني قريش » أي وسألتني عن أشياء تتعلق ببيت المقدس لم أثبتها أي قالوا له كم للمسجد من باب ؟ « فكربت كربا شديدا لم أكرب مثله قط ، قمت في الحجر فجلى اللّه عز وجل لي بيت المقدس » أي وجلى بتشديد اللام وربما خففت : كشفه لي أي بوجود صورته ومثاله في جناح جبريل . وفي رواية « فجيء بالمسجد » أي بصورته « وأنا أنظر إليه حتى وضع » أي بوضع محله الذي هو جناح جبريل ، فلا مخالفة بين الروايات وهذا من باب التمثيل ، ومنه رؤية الجنة والنار في عرض الحائط لا من باب طيّ المسافة وزوي الأرض ، ورفع الحجب المانعة من الاستطراق ، الذي ادعى الجلال السيوطي أنه أحسن ما يحمل عليه حديث « رفع بيت المقدس حتى رآه النبي صلى اللّه عليه وسلم بمكة حال وصفه إياه لقريش صبيحة الإسراء » إذ ذلك لا يجامع مجيء صورته في جناح جبريل ، وإنما قلنا إن ذلك من باب التمثيل لأن من المعلوم أن أهل بيت المقدس لم يفقدوه تلك الساعة